شوقي ضيف
254
المدارس النحوية
في اصطلاحات المناطقة والمتفلسفة والمتكلمين وأصحاب علم الأصول . ونحسّ في وضوح أنه يقف مع البصريين مناضلا مدافعا ، مما يؤكد نزعة بصرية قوية في مباحثه وكأنه كان استهلالا لانصراف البغداديين عن النزعة الكوفية إلى النزعة البصرية التي سادت بعده إلا قليلا . وكتاب الجمل أفرده لقواعد النحو والصرف ، وحظى بشهرة مدوية لدقته ووضوح عبارته واستيعابه لدقائق النحو البصري التي يحتاجها الناشئة ، وقد ألحق به فصلا عن الخط والإملاء . وهو فيه بعامة يتبع نظام النحو البصري ، لأنه فعلا النظام السديد ، الذي أحكم بناؤه ، ومع ذلك نراه يستعير من الكوفيين بعض مصطلحاتهم ، فقد سمّى - متابعا لهم - نائب الفاعل باسم ما لم يسمّ فاعله ، وسمى الصفة النعت والشركة عطف النسق . وإذا أخذنا نتعقب آراءه التي تدور في كتب النحاة وجدناه يتابع البصريين غالبا ، وقد يتابع الكوفيين على نحو ذهابه مذهبهم في أن كأنّ إذا كان خبرها اسما جامدا كانت للتشبيه مثل كأن زيدا أسد ، وإذا كان مشتقّا كانت للشك بمنزلة ظننت وتوهمت مثل كأن زيدا قائم ، وقد تأتى للتحقيق مثل قول الحارث ابن خالد المخزومي : فأصبح بطن مكة مقشعرّا * كأن الأرض ليس بها هشام وكان البصريون يذهبون إلى أنها للتشبيه دائما ولا معنى لها سواه « 1 » . وكان يكثر من التوقف بإزاء آراء الكوفيين والبصريين جميعا محاولا استنباط رأى جديد ، من ذلك أن سيبويه كان يذهب إلى أن سوى ظرف مكان دائما ، وذهب الكوفيون إلى أنها ظرف متمكن يستعمل ظرفا كثيرا وغير ظرف قليلا ، أما هو فذهب إلى أنها ليست ظرفا البتة وأنها تقع فاعلا في مثل جاء سواك ومفعولا به في مثل رأيت سواك ، وبدلا أو استثناء في مثل ما جاءني أحد سواك أي أنه يجوز فيها حينئذ الرفع على البدلية والنصب على الاستثناء « 2 » . وكان جمهور البصريين يذهب إلى أنه إذا وصلت إن وأخواتها بما بطل عملها ما عدا ليت ،
--> ( 1 ) المغنى ص 209 والهمع 1 / 133 . ( 2 ) المغنى ص 151 والهمع 1 / 202 .